محمود بن حمزة الكرماني
252
اسرار التكرار في القرآن
سورة العلق 568 - قوله : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ « 1 » ، وبعده : اقْرَأْ وَرَبُّكَ « 3 » ، وكذلك : الَّذِي خَلَقَ « 1 » ، وبعده : خَلَقَ « 2 » ، ومثله : عَلَّمَ بِالْقَلَمِ « 4 » و عَلَّمَ الْإِنْسانَ « 5 » ، لأن قوله : اقْرَأْ مطلق ، فقيده بالثاني ، والذي خلق علم فخصه بما بعده ، و عَلَّمَ مبهم ففسره فقال : عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ « 1 » . سورة القدر 569 - قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ « 1 ، 2 » ، ثم قال : لَيْلَةُ الْقَدْرِ « 3 » فصرح به وكان حقه الكناية رفعا لمنزلتها ، فإن الاسم قد يذكر بالتصريح في موضع الكناية تعظيما وتخويفا كما قال الشاعر : لا أرى الموت يسبق الموت حتى . نغص الموت ذا الغنى والفقيرا فصرح باسم الموت ثلاث مرات تخويفا ، وهو من أبيات الكتاب .
--> ( 1 ) ما ذكره المؤلف في هذه السورة لا يكفى للكشف عن براهين القرآن فيها . والذي أراه واللّه أعلم : أن اقْرَأْ الأولى خاصة بالقرآن حفظا وتأملا ، لأنها كذلك في سبب نزولها . وقرنها بقوله : بِاسْمِ رَبِّكَ تنبيها على الاستعانة به تعالى في فهم مراده من كتابه . و اقْرَأْ الثانية مراد بها جميع العلوم المدونة التي تعين على زيادة الإيمان وقوته ، بالاستعانة باللّه وبفيض كرمه ، ولذلك قال : عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ بعد قوله : عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . و خَلَقَ الأولى حث على التأمل في صفة الخلق بالاستعانة به خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ وكذلك سائر جزئيات الخلق . و عَلَّمَ الأولى هي العلوم المكتوبة المدونة بالقلم مما يعين على الإيمان وللعبد فيها مدخل . والثانية العلم الموهوب من اللّه تعالى إذا روعيت الملابسات السابقة . ومن الملاحظ أن بداية العلم تأمل كلى يؤدى إلى العلم الجزئي ، ثم ينتهى الجزئي إلى الكلى أيضا على وجه أشمل وأقوى . فقد بدأ في السورة ب اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وتدرج إلى الجزئي خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ، ثم إلى جهد الإنسان مستعينا بربه عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . وانتهى إلى فيض اللّه ومواهبه عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ .